محمد متولي الشعراوي

2722

تفسير الشعراوى

أنذرهم بعذاب أليم ، لكان الكلام محتملا ، فهم - كمنافقين - مستعدون لسماع الشر . ولكن الحق يقول : « بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » وذلك هو التهكم والاستهزاء والسخرية ، وهي من معينات البليغ على أداء مهمته البلاغية . ونسمع المفارقات أحيانا لتعطينا صورة أصدق من الحقيقة . فإذا جئت إلى بخيل مثلا ، وقلت له : مرحبا بك يا حاتم . ماذا يكون موقف من يحضر هذا اللقاء ؟ أنت تنقله من واقع البخيل إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم . وبذلك نقلت البخيل نقلتين : نقلة من وضعه كبخيل ؛ ثم السخرية منه ؛ لأن قولك لبخيل ما : يا حاتم هو تقريع وتهكم وسخرية واستهزاء ، لأنك نقلته من وصف خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سام ورفيع وعظيم تحقيرا له واستهزاء به ، ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير . وإذا ما جئت مثلا لرجل طويل جدا ، وقلت : مرحبا بك يا قزم . هذه هي المفارقة ، كما تقول لقصير : مرحبا يا مارد . أو إذا جئت لطويل لتصافحه ، فيجلس على الأرض ليسلم عليك . . هذه أيضا مفارقة . وإن جئت لرجل قصير لتصافحه فتجلس على الأرض لتسلم عليه فهذه هي السخرية والتهكم . وهذه المفارقات إنما تأتى للأداء البلاغي للمعنى الذي يريده المتكلم ، فقول الحق : « بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ » معناه : أنكم أيها المنافقون قد صنعتم لأنفسكم بالنفاق ما كنتم تحبون ، وكأنكم نافقتم لأنكم تحبون العذاب . ومادمتم قد نافقتم لأنكم تحبون العذاب ، فأنا أبشركم بأنكم ستتعذبون . والذي ينافق ألا يريد من ذلك غاية ؟ لذلك يصور له الحق أن غايته هي العذاب ، فقال الحق : « بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً » . إنك حين تريد تصعيد أمر ما ، فأنت تنقل مخاطبك من شئ إلى الشئ المقابل وهو النقيض ، مثال ذلك : إنسان عطشان لأنه محجوز أو مسجون وأراد أن يشرب شربة ماء ، من الممكن أن يقول له الحارس : لا . ويجعله ييأس من أن يأتي له بكوب ماء ، أما إن أراد الحارس تصعيد العذاب له فهو يذهب ويأتي بكوب ماء ويقربه منه ، فإذا مد السجين يده ليأخذ كوب الماء فيسكب الحارس كوب الماء على الأرض هذا هو تصعيد العذاب . وحين يقال : « بشّر » فالمستمع يفهم أن هناك شيئا